السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
710
مختصر الميزان في تفسير القرآن
من عند اللّه بما يتضمنه من المعارف والأحكام إيمان باللّه ورسوله وبما جاء به من عند ربه حقيقة ، وليس كذلك بل الإيمان تسليم تام باطنا وظاهرا فكيف يتأتى لمؤمن حقا أن لا يسلم للرسول حكما في الظاهر بأن يعرض عنه ويخالفه ، أو في باطن نفسه بأن يتحرج عن حكم الرسول إذا خالف هوى نفسه ، وقد قال اللّه تعالى لرسوله : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ ( النساء / 105 ) . فلو تحرج متحرج بما قضى به النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فمن حكم اللّه تحرج لأنه الذي شرفه بافتراض الطاعة ونفوذ الحكم . وإذا كانوا سلموا حكم الرسول ، ولم يتحرج قلوبهم منه كانوا مسلمين لحكم اللّه قطعا سواء في ذلك حكمه التشريعي والتكويني ، وهذا موقف من مواقف الإيمان يتلبس فيه المؤمن بعدة من صفات الفضيلة أوضحها : التسليم لأمر اللّه ، ويسقط فيه التحرج والاعتراض والرد من لسان المؤمن وقلبه ، وقد أطلق في الآية التسليم إطلاقا . ومن هنا يظهر أن قوله : فَلا وَرَبِّكَ ، إلى آخر الآية ، وإن كان مقصورا على التسليم لحكم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بحسب اللفظ لأن مورد الآيات هو تحاكمهم إلى غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مع وجوب رجوعهم إليه إلّا أن المعنى عام لحكم اللّه ورسوله جميعا ، ولحكم التشريع والتكوين جميعا كما عرفت . بل المعنى يعم الحكم بمعنى قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكل سيرة سار بها أو عمل عمل به لأن الأثر مشترك فكل ما ينسب بوجه إلى اللّه ورسوله بأي نحو كان لا يتأتى لمؤمن باللّه حق إيمانه أن يرده أو يعترض عليه أو يمله أو يسوأه بوجه من وجوه المساءة فكل ذلك شرك على مراتبه ، وقد قال تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( يوسف / 106 ) . قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ - إلى قوله - ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ قد تقدم في قوله : وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ( آية 46 من السورة ) ، ان